جلال الدين السيوطي

11

الأشباه والنظائر في النحو

بعضهم لجاز باتّفاق » ، وإذا جعلت قائما حالا من هو فالعامل في الحال معنى النفي ، لأن الأحوال تعمل فيها المعاني كما تعمل في الظروف ، فيكون التقدير : شهد اللّه أنّ الرّبوبيّة ليست إلّا له في حال قيامه بالقسط ، فهذان الوجهان صحيحان . فأمّا كونه حالا من الضمير المنصوب بأنّ أو من الضمير الذي في خبر التبرئة المحذوف فكلاهما خطأ لا يجوز . أمّا امتناعه من أن يكون حالا من الضمير المنصوب بأنّ فلعلّتين : إحداهما : أنّ أنّ المفتوحة تقدّر هي وما عملت فيه بتقدير المصدر ، وما بعدها من اسمها وخبرها صلة لها ، فإن جعلت قائما حالا من اسمها كان داخلا في الصلة ، فتكون قد فرّقت بين الصّلة والموصول بما ليس من الصلة وذلك مستحيل . والعلة الثانية : أنّك إن جعلته حالا من اسم أنّ لزمك أن تعمل أنّ في الحال ، وأنّ لا تعمل في الأحوال شيئا ولا في الظروف ، فإن قلت : قد قال النابغة الذبياني : [ البسيط ] « 578 » - كأنّه خارجا من جنب صفحته * [ سفّود شرب نسوه عند مفتأد ] فنصب على الحال من اسم كأنّ وجعل العامل فيها ما في كأنّ من معنى التشبيه ، فهلّا أجزت مثل ذلك في أنّ فالجواب : أنّ ذلك إنّما يجوز عند البصريين في كأنّ وليت ولعلّ خاصّة ، لأنّ هذه الأحرف الثلاثة أبطلت معنى الابتداء ممّا يدخل عليه ، وأحدثت في الكلام معنى التّمنّي والتّرجّي والتشبيه فأشبهت الأفعال ، فإن قيل : فإنّ المفتوحة تدخل على الجملة فتصرفها إلى تأويل المصدر ، ألا ترى أنّك تقول : بلغني أنّك قائم فيكون معناه : بلغني قيامك ؟ فهلّا أعملت في الحال ما فيها من تأويل المصدر ؟ فالجواب : أنّ ذلك خطأ لأنّ المصدر الذي تقدّر به أنّ المفتوحة إنّما ينسبك منها ومن صلتها التي هي اسمها وخبرها ، فإذا جعلت قائما حالا من اسمها كان داخلا في صلتها ، فيلزمك من ذلك أن يعمل الاسم في نفسه ، وذلك محال ، فلهذا الذي ذكرناه استحال أن ينتصب « قائما » على الحال من اسم أنّ . فأمّا امتناعه من أن يكون حالا من الضمير المقدّر في خبر التبرئة المحذوف فمن أجل أنّ المراد بالنفي العموم والاستغراق على ما قدّمناه ، فإذا جعلته حالا من

--> ( 578 ) - الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه ( ص 19 ) ، وخزانة الأدب ( 3 / 185 ) ، والخصائص ( 2 / 275 ) ، ولسان العرب ( فأد ) ، وتهذيب اللغة ( 14 / 196 ) ، وبلا نسبة في رصف المباني ( ص 221 ) ، وكتاب العين ( 8 / 8 ) .